في قمة جبل شاهق بمديرية مناخة التابعة لمحافظة صنعاء، يقف حصن جبل شقروف شامخًا منذ نحو ألف عام، متحديًا الجغرافيا بارتفاعه الفريد وموقعه الوعر الذي يطل على أودية سحيقة ومنحدرات خطيرة، ما جعله أحد أكثر المعالم البشرية إثارة للدهشة في اليمن.
يقع الحصن في عزلة مسار جنوب غرب مناخة، ويتألف من ثمانية طوابق تضم عشرات الغرف والمجالس، أبرزها “المفرج”؛ وهو مجلس واسع في الطابق الأعلى عادةً، كان مخصصًا لاستقبال كبار الضيوف.
يطل الحصن من جهته الغربية على وادٍ عميق تظهر أسفل منه مناطق عُبال وتهامة وجبال ريمة، بينما يمتد شرقه نحو منحدر يفصل بين جبلين تنساب من الجبل المقابل له شلّالان يتغذيان من مياه المزانعة وقرى شرقي حراز. أما من الجنوب، فتتوزع منازل قليلة تعانق السفح قبل أن تنتهي بها الحافة إلى هاوية سحيقة تطل على جبال محافظة ذمار.
موقع الحصن المحفوف بالخطر وارتفاعه الهائل دفع بعض الروايات الشعبية إلى الاعتقاد بأن الجنّ هم من شيّدوه، لعجز الإنسان ـ في نظرهم ـ عن نقل مواد البناء إلى تلك القمة الوعرة في زمن غابت فيه الإمكانيات الحديثة. وبرغم غرابة الاعتقاد، يظل السؤال مفتوحًا: كيف استطاع اليمنيون في العصور القديمة بناء هذا الصرح في موقع يكاد يكون معزولًا عن العالم؟
مدينة مناخة، الواقعة على مسافة 120 كيلومترًا من صنعاء، تُعد من أبرز الوجهات السياحية في المحافظة لما تتميز به من طابع معماري أصيل ومبانٍ مشيّدة فوق القمم وكأنها معلقة في السماء، تحيط بها مدرجات زراعية خلابة ومزارات دينية تاريخية.
ويتسلل الطريق المؤدي إلى الحصن بين جداول ماء متدفقة وبرك صغيرة تحف المسار شمالًا وجنوبًا، تتخللها مدرجات تزينها أشجار البن. وعلى مقربة من الحصن، يتدفق اثنان من أعلى شلالات اليمن في مشهد خلاب يأسر الأبصار.
يقول أحد الزائرين: “عندما شاهدت الحصن لأول مرة لم أصدق أن بشرًا شيدوه فوق حافة صخرة بهذا الارتفاع. لم أجرؤ على الاقتراب من حافتها لهيبة المشهد ورهبة السقوط نحو الهاوية التي تحيط به من ثلاث جهات.”
رغم كل الغموض المحيط به، يبقى حصن شقروف شاهدًا على عبقرية معمارية سبقت زمنها، ومعلمًا تاريخيًا يواصل جذب عشاق المغامرة والباحثين عن أسرار الجبال.