عدن – المحرر السياحي:
تُعدّ مديرية التواهي الساحلية إحدى مديريات محافظة عدن وأبرز وجهاتها السياحية، إذ تجمع بين الإرث التاريخي والطبيعة البحرية الآسرة. وتحتضن المديرية مزيجًا فريدًا من المعالم والشواطئ والأسواق القديمة والمباني العريقة التي تشكّل محطات أساسية في ذاكرة المدينة. فبين رائحة الفلّ، وحكايات الأزقة القديمة، وأمواج البحر الهادئة، يجد الزائر ما يجعله يعود إليها مرارًا.
أصل التسمية
تعود تسمية التواهي إلى كلمة “الضواحي”، والتي عُرفت في الوثائق الإنجليزية باسم TAWAHI، نظرًا لكونها منطقة واسعة قليلة السكان قبل توسّع الميناء الحديث. وتُعدّ اليوم إحدى أهم مناطق عدن السياحية لما تمتلكه من إرث تاريخي وبيئي وميناء شكّل بوابة المدينة التجارية منذ القرن التاسع عشر.
واجهة بحرية فريدة
تقدّم الواجهة البحرية للتواهي مشهدًا ساحرًا يضم نسيم البحر العليل، ومنظر الغروب على الخليج، وحركة القوارب الصغيرة التي تمنح المكان حياةً ونبضًا سياحيًا خاصًا. ويتيح المكان للزوار فرصة الاسترخاء ومراقبة تفاصيل الميناء القديم والحديث في آن واحد.

بوابة عدن البحرية 
ارتبط تأسيس ميناء التواهي بفترة الوجود البريطاني في عدن، حيث نُقل من الميناء القديم في صيرة إلى موقعه الجديد بهدف إنشاء ميناء حديث يربط بريطانيا بمستعمراتها في آسيا. وقد بُني الميناء على حوض مائي واسع محميّ طبيعيًا من الرياح.
في عام 1850 أُعلن ميناء عدن منطقة حرة، وزُوّد بأحدث المعدات البحرية في ذلك الوقت، ليصبح أحد أهم موانئ المنطقة. ولا يزال يقوم حتى اليوم بمهام استقبال الحاويات والعبّارات والترانزيت وخدمات الشحن والتفريغ والملاحة البحرية.
سواحل التواهي.. جمال البحر ودفء المكان
الساحل الذهبي (Gold Mohur)
يُعدّ الساحل الذهبي أحد أهم شواطئ عدن، ويقع بين جبل خليج الفيل وجبل هيل، حيث لا تزال آثار التحصينات الدفاعية والمدافع العثمانية التي أُقيمت عام 1538 شاهدة على تاريخ المنطقة.
يمتاز الساحل برماله الذهبية التي تزداد بريقًا وقت الغروب، ما يجعله مقصدًا يوميًا للمتنزهين والزوار. وفي مقابل الساحل تقع جزيرة الشيخ أحمد الصيّاد، وهي كتلة صخرية تتوسط الميناء وتشكّل عنصرًا بصريًا مهمًا في المشهد البحري.
وتبرز في المنطقة معالم تاريخية أخرى مثل مبنى بوابة الميناء و"بيغ بن عدن" والأسواق والممرات البحرية القديمة.

خليج الفيل.. منحوتة الطبيعة
يحمل الخليج اسمه من نتوء صخري طبيعي يبدو كأنه خرطوم الفيل، وقد تشكّل عبر آلاف السنين بفعل التعرية والمد والجزر. ويُعد الخليج معلمًا جيولوجيًا نادرًا يتكون من صخور الأسكوريا البركانية وفقًا للوثائق الجيولوجية لمدينة عدن.

منتجع خليج الفيل
في محيط الساحل الذهبي والخليج، يقع واحد من أبرز المنتجعات السياحية، حيث يقدّم جلسات بحرية، وغرفًا فندقية، ومطاعم واستراحات مفتوحة على الهواء الطلق. ويستضيف المنتجع فعاليات فنية ومناسبات اجتماعية على مسرح مجهّز بإطلالة فريدة على البحر.
ساحل العشّاق
يمثل الساحل ملاذًا هادئًا تحت سفح جبل مطل على البحر، ويقصده الزوار بحثًا عن العزلة والسكينة. وقد أصبح وجهة مفضلة للأزواج حديثي الزواج والعائلات الراغبين في الابتعاد عن صخب المدينة.
ساحل "رامبو"
يعود اسم الساحل إلى الشاعر الفرنسي آرثر رامبو الذي عاش في عدن نحو عشر سنوات ابتداءً من عام 1880. كان رامبو يتردد على هذا الشاطئ لقضاء ساعات طويلة كتب خلالها جزءًا كبيرًا من أعماله، فأطلق السكان اسمه عليه تكريمًا له. وتحول منزله قرب الساحل لاحقًا إلى فندق صغير.

منتجع النادي الدبلوماسي
يُعد منتجع النادي الدبلوماسي من أبرز الوجهات السياحية الترفيهية، ويتميّز بموقعه الفريد المطلّ مباشرة على البحر، حيث لا يفصله عن ساحل العشّاق الشهير سوى بضعة أمتار، ويشكّل خيارًا مثاليًا للراغبين في الاستجمام والتمتع بجمال الطبيعة الساحلية.
يقدّم المنتجع خدمات سياحية متكاملة تلبي احتياجات الزوار من العائلات والأفراد، ويضم مجموعة من الشاليهات والخيام العائلية المجهزة، بالإضافة إلى مطعم يقدم وجبات مميزة، ومنطقة ألعاب مخصصة للأطفال، مما يجعله وجهة مثالية للترفيه العائلي.

أبرز الأنشطة البحرية في التواهي
- مشاهدة المناظر الطبيعية والتقاط الصور عند الغروب.
- ركوب القوارب والتجول في عمق البحر.
- السباحة في مياه هادئة ونظيفة.
- التخييم العائلي وقضاء الأمسيات البحرية.
- التنزه على الشاطئ والجلوس في المقاهي المطلة على البحر.
- الركوب على الدراجات المائية "الجيت سكي".
الجُـــــــزر
تمتلك عدن أكثر من عشرين جزيرة، وتضم التواهي منها:
جزيرة فلِنت (كرنتينا):
جزيرة تاريخية كانت تُعرف باسم المحجر الصحي، حيث كانت نقطة الدخول البحرية الرئيسية إلى عدن. كان يُعزل فيها القادمون بحرًا لمراقبة حالتهم الصحية قبل السماح لهم بدخول المدينة، وتعد أول محجر صحي معروف في الشرق الأوسط.
الأنشطة البحرية في الجزر
تتيح جزر التواهي لزوارها مجموعة من الأنشطة المميزة، من بينها:
- الاسترخاء والتخييم في أجواء هادئة بعيدًا عن صخب المدينة.
- السباحة وخوض تجربة الغوص في مياه صافية تمنح هواة المغامرة فرصة استكشاف أعماق البحر وجمال الحياة البحرية.
المعالم المعمارية والتراثية

تتميز التواهي بتاريخٍ عريق ارتبط بالملاحة والتجارة خلال الحقبة البريطانية، وما تزال العديد من المباني المشيدة على الطراز الأوروبي القديم قائمة حتى اليوم، مانحةً المنطقة طابعًا معماريًا فريدًا يختلط فيه عبق التاريخ بجمال المكان.
ومن أبرز المعالم التاريخية القريبة خزانات الطويلا (Cisterns of Tawila)، وهي نظام هندسي قديم لتجميع مياه الأمطار يعكس براعة البناء التقليدي في عدن والتواهي.
وتمنح الجولة في شوارع التواهي الضيقة ذات المباني التراثية الزائر إحساسًا بأنه يسير في رحلة عبر الزمن، ليعيش تجربة ثقافية وسياحية لا تُنسى.
ساعة " ليتل بيغ بن" عدن
على مرتفع يطل مباشرة على الميناء، تقف الساعة الشهيرة "بيغ بن عدن" شامخة منذ بنائها عام 1890م على الطراز المعماري لساعة لندن الأصلية. شُيّدت من حجارة سوداء وأسمنت حجري بارتفاع يفوق 22 مترًا، وتتوسطها أربع ساعات قطر كل منها نحو متر واحد.
كانت عقارب الساعة تُدار يدويًا بواسطة حرّاس مخصصين، وتدق نهاية كل ساعة بصوت كان يصل إلى معظم أحياء عدن، خصوصًا في فترات المساء. ورغم توقفها المتكرر عبر العقود، ما تزال أحد أبرز معالم التواهي ورمزًا خالدًا لفترة الوجود البريطاني.
تحفة معمارية وشهرة ملكية
يُعد فندق "كريسنت" من أشهر معالم التواهي، وقد اكتسب شهرته العالمية بعد إقامة الملكة إليزابيث الثانية فيه خلال زيارتها لعدن عام 1954 ضمن جولة لدول الكومنولث. وتشير الروايات إلى أن الملكة مددت إقامتها شهرًا إضافيًا قضت خلاله شهر العسل مع زوجها، بعد أن وصفت أجواء الفندق بأنها تُذكّرها بلندن، خصوصًا عند سماع دقات ساعة التواهي كل صباح من شرفة جناحها.
يتميز الفندق بشرفات واسعة وإطلالات مباشرة على ساحل عدن، ويُعد أول فندق شُيّد في شبه الجزيرة العربية في ثلاثينيات القرن الماضي، وتعود ملكيته إلى التاجر الحضرمي عبدالكريم بازرعة وفقًا للعديد من المصادر.

حديقة الملكة فيكتوريا
تقع الحديقة في قلب المدينة، بمحاذاة سوق التواهي ويتوسطها تمثال الملكة فيكتوريا. وتُعد من أبرز المعالم التاريخية والترفيهية في عدن، فهي متنفس طبيعي يحتضن الزوار بظلال أشجارها الوارفة ومساحاتها العشبية الرحبة التي توفر أجواءً هادئة ومريحة للعائلات والزائرين، وتضم الحديقة منطقة ألعاب بسيطة للأطفال.

كما تضم التواهي أيضًا عددًا من الأرصفة البحرية الشهيرة مثل: رصيف البينو، رصيف الإبكاري، ورصيف السياح، وهي شواهد حية على تاريخ عدن البحري ودورها التجاري القديم.
مطاعم ومأكولات شعبية وبحرية
بعد جولة بين معالم التواهي وأسواقها، يجد الزائر خيارات واسعة من المطاعم الشعبية والسياحية، خصوصًا تلك المطلة على الساحل والتي تقدم وجبات بحرية طازجة مثل السمك المشوي والمأكولات المحلية.
كما يمكن خوض تجربة المطاعم الشعبية التي تقدّم أطباقًا تقليدية من الوجبات التي تشتهر بها المناطق الساحلية في عدن، ما يمنح الزائر فرصة لتذوّق نكهات عدنية أصيلة.
الأجواء المطلة على البحر أو بالقرب من الميناء تضفي على تجربة الطعام سحرًا خاصًا—مزيج من نسيم البحر، صوت الأمواج، وروح عدن البحرية—لتصبح الوجبة جزءًا من لحظة استرخاء ممتعة وليست مجرد تناول طعام.
ثقافة وطقوس شعبية
لا تقدّم التواهي أماكن سياحية فحسب، بل تجربة ثقافية متكاملة تعكس روح عدن:
أسواق شعبية، مقاهٍ تقليدية، حياة يومية نابضة، وحكايات البحّارة التي يسمعها الزائر وهو يتجول على الكورنيش.
شراء الحرف اليدوية والمستلزمات المحلية من الأسواق القديمة يمنح الزائر شعورًا بالأصالة، ويبرز أهمية الحفاظ على التراث.
أما الجلوس على البحر مع كوب شاي يمني، ومشاهدة غروب الشمس، فهي طقوس بسيطة لكنها عميقة تجعل الزائر يعيش "التجربة العدنية" بكل تفاصيلها.
آيسكريم التواهي.. نكهة من الذاكرة
وعند زيارة التواهي، لا بد من تذوق آيسكريم التواهي أو ما يُعرف بـ"آيسكريم بابا شرف"، الذي تأسس معمل إنتاجه في ستينيات القرن الماضي، وأصبح أحد أقدم وأشهر معامل الآيسكريم في عدن.
قدّم المعمل عبر تاريخه نكهات متعددة مستخلصة من مكونات موسمية طبيعية مثل المانجو والأنبّا والحليب. وأكثر الأنواع شهرة هو ذلك المصنوع من الحليب والماء والسكر فقط، والذي ذاع صيته لمذاقه الخاص وخلوه من المواد الحافظة، وفق تصريحات المالك الحالي.
ويُعدّ تحضيره عملية دقيقة تستمر لساعات طويلة، حيث تُغلى المكونات حتى يتحول لون الحليب إلى الأصفر ويكتسب قوامًا مميزًا بفعل التبخر، ما جعله يحافظ على نفس النكهة المحبوبة لعقود طويلة.

منشآت سياحية وخدمية
تضم التواهي مجموعة واسعة من الفنادق والمنتجعات المناسبة لمختلف الفئات والإمكانات، من الفنادق الفاخرة ذات النجوم المتعددة إلى المرافق الشعبية.
كما تنتشر فيها الخدمات الأساسية للسياح مثل:
- وكالات السياحة والسفر
- البنوك وشركات الصرافة
- مراكز التسوق والمحلات التجارية
- مرافق ترفيهية وخدمية متنوعة
كل ذلك يجعل التواهي وجهة مريحة وسهلة للزوار، حيث يمكنهم الوصول إلى كل ما يحتاجونه بسرعة عالية.
تجمع التواهي بين البحر والتاريخ والثقافة، وتقدم تجربة سياحية متكاملة تُشعر زائرها بأنه يعيش جزءًا من ذاكرة عدن وروحها البحرية.
نتمنى لكم زيارة سعيدة وإقامة هانئة في هذه المدينة التي لا تزال تحفظ جمالها القديم وروحها المتجددة.