حضرموت – الإعلام السياحي:

في هذا الركن البكر من الساحل الحضرمي، تتجاور البيولوجيا مع الجيولوجيا في مشهد استثنائي صنعته تحولات الأرض عبر ملايين السنين. هنا، لم تكن السلاحف مجرد كائنات بحرية عابرة، بل مكوّنًا أصيلًا أعاد تشكيل المكان وحوّله إلى مدينة طبيعية نابضة بالحياة، حيث تستمر دورة الوجود بلا انقطاع.

تبدو المحميات الشاطئية، وفي مقدمتها شرمة – جثمون، كعوالم مفتوحة للتأمل والمعرفة؛ كلما اقترب منها الإنسان، شعر بتلاشي ضجيج التفكير أمام سطوة المعنى الكوني الذي تختزنه تفاصيلها الدقيقة.

 

الموقع والامتداد الجغرافي

تقع محمية شرمة – جثمون شرق مديرية الديس بمحافظة حضرموت، وتمتد على شاطئ البحر العربي بطول يقارب 55 كيلومترًا، مطلة على مواقع ساحلية بارزة مثل: جثمون، رأس شرمة، رأس باغشوه، قصيعر، وشصر القرن.

تبعد المحمية نحو 120 كيلومترًا عن مدينة المكلا، ويمكن الوصول إليها عبر الطريق الأسفلتي المتفرع من الخط الرئيسي الرابط بين المكلا وسيحوت، ما يمنحها أفضلية سياحية من حيث سهولة الوصول.

وقد ورد ذكر هذه المنطقة في كتابات جغرافيي العصور الوسطى، حيث أشار الإدريسي إلى أن “شرمه ولسع” كانتا من الأسماء القديمة لمدينة الشحر، قبل أن تتغير المسميات بتغير الأزمنة وتحولات الإنسان والمكان.

 

مملكة السلاحف البحرية

تُعد محمية شرمة – جثمون من أهم مواطن السلاحف البحرية في اليمن والمنطقة. فقد استوطنتها السلاحف منذ آلاف السنين، لتغدو أشبه بمملكة طبيعية لهذه الكائنات الفريدة.

 

وتحتضن المحمية نوعين رئيسيين:

السلاحف الخضراء (Chelonia mydas).

السلاحف صقرية المنقار (Eretmochelys imbricata)، وهي من الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض عالميًا، والمُدرجة ضمن اتفاقية سايتس (CITES) لحظر الاتجار بالكائنات المهددة.

وتعود السلاحف، رغم هجراتها الطويلة عبر آلاف الأميال، إلى نفس الشواطئ التي خرجت منها أول مرة، في سلوك بيولوجي حيّر العلماء، ويُرجَّح ارتباطه بقدرات استشعار دقيقة وروائح نباتية وبحرية مميزة.

تضع الإناث بيوضها في الرمال الدافئة للشاطئ، وتستمر فترة الحضانة قرابة 50 يومًا، قبل أن تشق الصغار طريقها نحو البحر، ولا ينجو منها سوى نسبة محدودة، في دورة بقاء قاسية تحفظ استمرار النوع.

 

السياحة الخضراء

تجسد شرمة – جثمون مفهوم السياحة الخضراء في أنقى صورها؛ شاطئ رملي أبيض ناعم، شعاب مرجانية غنية، تشكيلات صخرية نحتتها الأمواج بعناية، وطيور بحرية ترسم مشاهد يومية آسرة.

وتُعد الشعاب المرجانية الممتدة على الجرف القاري بيئة مثالية لسياحة الغوص، إضافة إلى الرحلات البحرية ومراقبة الحياة الفطرية، وهي أنماط سياحية واعدة لم يُستثمر معظمها بعد.

ويرتبط هذا الامتداد الطبيعي بخيط سياحي يصل إلى مدينة الشحر القريبة، بما تحمله من تنوع ثقافي وفنون شعبية وبنى تاريخية وينابيع حارة، ما يعزز من فرص بناء مسار سياحي متكامل يحتاج فقط إلى بنية فندقية مناسبة.

 

محطة للطيور المهاجرة

تمثل المحمية ملتقى استراتيجيًا للطيور المهاجرة ضمن رحلاتها الطويلة، مستفيدة من موقعها الجغرافي المعزول نسبيًا، وتنوع بيئاتها الصخرية والمرجانية، وتوفر الغذاء والمأوى.

ورغم إعلانها محمية طبيعية محلية عام 2001، إلا أنها لم تحظَ بالدراسات والتصنيفات العلمية الكافية، ما حدّ من إبراز قيمتها البيئية عالميًا.

لا تزال الجهود الرسمية تعمل على تطوير المحمية بهدف إنشاء منتجع بحري ومنشآت فندقية صديقة للبيئة، دون المساس بالنظام الطبيعي، كفيل بإطلاق شرارة سياحية مستدامة تعيد للمكان بريقه وتضعه على خارطة السياحة الإقليمية والدولية.