عدن – المحرر السياحي:
كان الفجر بالكاد يرسم خيطه الأول فوق سماء عدن، حين بدأت المدينة تستيقظ على خطواتٍ حماسية لفريق قرر أن يبدأ يوماً مختلفاً. حقائب الغوص على الظهور، الوجوه تحمل يقظة رغم النعاس، والقلوب تسبق الأقدام شوقاً نحو البحر. ففي 20 سبتمبر 2025، لم يكن مجرد صباح عادي… كان وعداً بمغامرة طال انتظارها.
عند جولة كالتكس اكتمل الجمع، ومنها اتجه الفريق برفقة المدربين صوب مدينة البريقة. هناك، وسط أرفف المعدات وأنابيب الهواء اللامعة، عمّت أجواء من البهجة والنقاشات السريعة حول التجربة القادمة. فالفعالية التي نظمتها وزارة الإعلام والثقافة والسياحة بالشراكة مع مجلس الترويج السياحي وبالتعاون مع جمعية الغواصين بعدن، جاءت احتفالاً باليوم العالمي للسياحة، ومحاولة لإعادة الضوء إلى كنوز عدن البحرية التي لم تُكتشف إلا بقدر قليل.
إلى البحر… حيث تبدأ الحكاية
انطلقت السيارات نحو شاطئ جزيرة العزيزية بمديرية البريقة. هناك، على الرمال الهادئة، كانت بداية المشهد الحقيقية: خيمة منصوبة، صناديق معدات، قوارب رشيقة تستعد للإبحار، ورائحة البحر تزاحم الهواء وكأنها تهمس: "هنا يبدأ المغامرين".
وقف الكابتن د. جمال باوزير، والكابتن علي الحامد، والكابتن عمر القاسمي والكابتن وضاح نزار نجيب من جمعية الغواصين بعدن، يراجعون الأدوات بعناية ويوجهون المشاركين بتعليمات دقيقة. الأمواج مطمئنة، الوجوه مبتسمة، وضحكات العمل الجماعي سبقت صوت المحركات. وبعد لحظات، شقت القوارب الماء في طريقها إلى جزيرة العزيزي، لتترك المدينة خلفنا كصورة تبتعد شيئاً فشيئاً.
البحر امتد أمامنا بلون أزرق صافٍ يغري بالاقتراب. نسيم الصباح الناعم، ضوء الشمس الذهبي، وصوت الضحكات المكتومة داخل صدور متحمسة… كل شيء كان يبعث حياة لم نشعر بها منذ زمن.
الصمت العظيم
وصلنا إلى الشاطئ، ومع اقتراب الساعة من السابعة صباحاً، بدأ الجميع بإنزال الأسطوانات وتنظيم معدات التخييم ونقل الأطعمة والمشروبات. بعدها اجتمع الغواصون والمتدربون حول المدربين للتعرف على أساسيات الغوص الحر (Free Diving) والغوص باستخدام الأسطوانات (Scuba Diving)، مع شرح لخطة الغوص، مستويات الأعماق، لغة الإشارة تحت الماء، وإجراءات السلامة.
ثم جاء الموعد المرتقب… لحظة الدخول.

تلامس المياه لبشرتك فتخفت الأصوات من حولك، يسكن كل شيء، وكأن البحر يفتح باباً صامتاً إلى عالم لا يشبه البر. ضوء الشمس ينكسر عبر الماء، الأسماك الملونة تمر بجانبك كتحية، والشعاب المرجانية تتألق كلوحة لا ينقصها سوى توقيع فنان.
تدرب المتعلمون على مراحل، وكل نَفَس كان خطوة نحو العمق، حتى تكشّف لنا عالم حيّ نابض بجمال لا يُكتب… يُعاش.
الوقت يمضي كالماء
تواصلت التجربة بين الغوص والمشاهدة والتقاط اللحظات. كل من يصعد إلى السطح يعود بحكاية جديدة، وكأنه عاد من رحلة قصيرة إلى عالم آخر. التعب موجود، لكنه محجوب بذهول لا يشبه أي شعور.
مع ميلان الشمس نحو الغروب، حان وقت العودة. نظّف الفريق موقع التخييم ولم يترك وراءه أثراً، ثم انطلقت القوارب نحو عدن مجدداً. الوجوه متعبة، لكن العيون تحمل ضوءاً مختلفاً؛ ضوء تجربة تُروى ولا تُنسى. البحر خلفنا كان يودعنا ببطء، لكن الأعماق بقيت معنا بصمتها وصورها المدهشة.
كانت رحلة استكشاف لا مجرد فعالية. خطوة واقعية لتعزيز السياحة البحرية في اليمن وإظهار ما تخفيه سواحل عدن من شعاب وتنوع بيولوجي يليق بأن يكون وجهة عالمية لعشاق الغوص. عدنا إلى البر، لكن صوت الأعماق بقي في داخل كل واحد منا يهمس: "من يدخلني مرة… يعود دائماً".
رحلة علمتنا جميعاً أن الغوص ليس رياضة فحسب؛ إنه سلام داخلي، دهشة بصرية، وتجربة تفتح باباً للقلب قبل الجسد.